فخر الدين الرازي
139
تفسير الرازي
في جميع الأعضاء . وأما القسم الثاني : وهو رعاية الأمانة مع سائر الخلق فيدخل فيها رد الودائع ، ويدخل فيه ترك التطفيف في الكيل والوزن ، ويدخل فيه أن لا يفشي على الناس عيوبهم ، ويدخل فيه عدل الأمراء مع رعيتهم وعدل العلماء مع العوام بأن لا يحملوهم على التعصبات الباطلة ، بل يرشدونهم إلى اعتقادات وأعمال تنفعهم في دنياهم وأخراهم ، ويدخل فيه نهي اليهود عن كتمان أمر محمد صلى الله عليه وسلم ، ونهيهم عن قولهم للكفار : ان ما أنتم عليه أفضل من دين محمد صلى الله عليه وسلم ، ويدخل فيه أمر الرسول عليه الصلاة والسلام برد المفتاح إلى عثمان بن طلحة ، ويدخل فيه أمانة الزوجة للزوج في حفظ فرجها ، وفي أن لا تلحق بالزوج ولدا يولد من غيره . وفي اخبارها عن انقضاء عدتها . وأما القسم الثالث : وهو أمانة الانسان مع نفسه فهو أن لا يختار لنفسه إلا ما هو الأنفع والأصلح له في الدين والدنيا ، وأن لا يقدم بسبب الشهوة والغضب على ما يضره في الآخرة ، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام : " كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته " فقوله : * ( يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ) * يدخل فيه الكل ، وقد عظم الله أمر الأمانة في مواضع كثيرة من كتابه فقال : * ( انا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الانسان ) * ( الأحزاب : 72 ) وقال : * ( والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون ) * ( المؤمنون : 8 ) وقال : * ( ولا تخونوا أماناتكم ) * ( الأنفال : 27 ) وقال عليه الصلاة والسلام : " لا أيمان لمن لا أمانة له ) * وقال ميمون بن مهران : ثلاثة يؤدين إلى البر والفاجر : الأمانة والعهد وصلة الرحم . وقال القاضي : لفظ الأمانة وان كان متناولا للكل إلا أنه تعالى قال في هذه الآية : * ( ان الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ) * فوجب أن يكون المراد بهذه الأمانة ما يجري مجرى المال ؛ لأنها هي التي يمكن أداؤها إلى الغير . المسألة الثالثة : الأمانة مصدر سمي به المفعول ، ولذلك جمع فإنه جعل اسما خالصا . قال صاحب " الكشاف " : قرىء * ( الأمانة ) * على التوحيد . المسألة الرابعة : قال أبو بكر الرازي : من الأمانات الودائع ، ويجب ردها عند الطلب والأكثرون على أنها غير مضمونة . وعن بعض السلف أنها مضمونة ، روى الشعبي عن أنس قال : استحملني رجل بضاعة فضاعت من بين ثيابي ، فضمنني عمر بن الخطاب رضي الله عنه . وعن أنس قال : كان لانسان عندي وديعة ستة آلاف درهم فذهبت ، فقال عمر : ذهب لك معها شيء ؟ قلت لا ، فألزمني الضمان ، وحجة القول المشهور ما روى عمرو بن شعيب عن أبيه قال : قال رسول